٢١/٣٠

المياه الراكدة تأسن. كذلك الأمر بالنسبة للحياة. عندما نتوقف عن التعلم، فإننَّا نتوقف عن النمو. وعندما يتوقف النمو، تتوقف الحياة.
في العقود الثلاثة الأخيرة من حياتي، قابلت أناساً من جميع أطياف المجتمع. لقد رأيت البعض الذين حققوا إنجازاتٍ فيما يخصُّ الألقاب والمناصب، ثمَّ انكسر شيءٌ ما في داخلهم. انطفأتِ الأنوار. يتظاهرون بأنَّهم يعيشون، لكنهم، في الواقع، مجرَّدُ أُناسٍ آلييِّن. في مكانٍ ما على الطريق، إمَّا أنَّهم فقدوا القدرة على متابعة التَّعلم أو أنَّهم لم يطوِّروا من هذه القدرة.
على الرغم من أنَّ، قابليَّة التَّعلم، من الناحية العلميَّة، هي أمرٌ حيويٌّ للنمو والنجاح في مختلف ميادين الحياة، فإنَّها في أساسها الجوهري، ما هي إلَّا فضولاً مقروناً بالقدرة على الملاحظة والاستيعاب والتطبيق.
بسيط؟ ربَّما.
مهم؟ بالتأكيد.
إن كان هناك من هَوَسٍ في حياتي فإنَّه سيكون: "التعلم وتطبيق ما تعلَّمته في الحياة الواقعيَّة". إنَّ السَّعي إلى التَّعلم مدى الحياة لم يكن لأجل الشُّهرة والأوْسِمة، بل من أجل الِّرضا الدَّاخلي والتأثير الدائم والتفاعل المتبادل. إنَّ النجاحاتِ التي تلت لم تكن إلَّا كناتج جانبي طبيعي.
في السنوات الأولى من طفولتي، نشأت في بيتٍ احتوى على حائطين ضخمين مثبَّتٌ على كلٍّ منهما مكتبتين خشبيتين بنيتين من الأرض إلى السقف، تتكدس فيهن مجموعات من الكتب المتنوِّعةَ. لقد قرأهم والدي كلَّهم، بعضهم حتَّى، ربما، لأكثر من مرَّة. لقد كان صحفيَّاً موهوباً وفصيحاً، محبوباً في البيت وفي العمل. والدتي، مدرِّسةٌ للغة الانكليزيَّة، محبوبةٌّ من طلاَّبها، تهتم بهم بما يتجاوز المقرَّر الذي تدرِّسه. هي ألزمت نفسها بمساعدة هؤلاء الأطفال ليكونوا نسخةً أفضل من أنفسهم، وقامت بذلك بلا كللٍ وبكلِّ حبٍّ وحنان.
بين هاتين القامتين المميَّزتين، كان من الطبيعي أن ينمو لديَّ شغفٌ للتعلُّم، وما زال يكبر حتَّى يومنا هذا. لقد اكتشفت، بشكلٍ مفاجئ، أنَّ فرص التَّعلم والنموِّ موجودةٌ في كلِّ مكانٍ حولنا. هي ليست محصورةً بالمصادر الدراسيِّة فقط. هناك الكتب والمقالات والأفلام والطبيعة، هناك الأصدقاءُ والعائلة... إنَّ الحياةَ غنيَّةٌ بمصادر التَّعلم.
منذ سنوات مراهقتي، قد حَرِصَت الحياة، في كلِّ جلالها، على أن تبعث لي كلَّ تجربةٍ ممكنة، لتختبر اعتقاداتي، ولتمتحن قِيَمِي الخاصَّة وكلِّ شيءٍ ظننت أنَّه صحيح. لم تكن بالطبع جميع هذه التجارب سارَّة. وراءَ كلِّ أزمةٍ، هناك فرصةٌ تنتظر إطلاقَ العنان لها. بالنظر إلى ما مضى، وجدتُ أنَّ كلَّاً من هذه التجارب الحياتيَّة قد حدثت في لحظةٍ كان لها التَّأثير الأكبر في حياتي. إنَّه كما قال الدالاي لاما: " تذكَّر أنَّه، أحياناً، عدم الحصول على ما تريد هو بمثابة ضربة حظٍ رائعة". لقد احتجت لأن أتعلم بسرعة، ولأن أتعلَّم بشكلٍ جيِّد.
هذه هي ملاحظاتي الواحدة والعشرون خلال الثلاثين سنة الماضية من حياتي:
-
إنَّ الحياة تتواصل معنا باستمرار. إنَّها تجد الطريقة للفت انتباهنا. في البداية، ترسل رسالةً، وعندما يتم تجاهلها، فإنَّها ترسل أزمة، وعندما يتمُّ تجاهلها، هي الأخرى، فإنَّها ترسل كارثة. فعليك أن تقرر ما الذي يلفت انتباهك بشكلٍ أسرع.
-
أحياناً، أصحاب المقاصد الخيِّرة، ذوو النوايا الحسنة، قد ينتهي بهم الأمر إلى أن يسبِّبوا لك الضرر. القضية ليست مسألة تصيُّدٍ للأخطاء. فكلَّما أسرعت في جعل نفسك شخصاً متماسكاً ومنظَّم ذاتيَّاً، كلَّما كان ذلك أفضل للجميع.
-
لكُلِّ شخص مفهومه الخاص عمّا هو "بديهي". وهذا أمرٌ بديهي!
-
العالم الخارجي هو مرآةٌ للعالم الداخلي. كما في الحواسب، المدخلات الخاطئة تعطي مخرجات خاطئة.
-
إنَّ العالم لن ينحني على ركبته لجعل كل إنسان سعيداً. فهذا ليس شأنه. إنَّه، حتَّى، ليس بالتوقُّع المعقول من العالم. ولكنَّه مليءٌ بالفرص والموارد. فالأبواب المغلقة ليس بالضرورة أن تكون أبواباً مقفلة.
-
إنَّ للنفايات مكانها، ومن الأفضل لها أن تبقى هناك. في نفسك، وفي الناس، وبالمعنى الحرفِّي للكلمة.
-
تُؤخَذُ الأشياء العظيمة والناس المهمُّون على أنَّهم أمرٌ مسلَّمٌ به أحياناً، إلى أن يفقدَهم المرء. تعلَّم أن تُعزَّ وتقدِّر وتهتم بما هو ذات أهميَّة. الناس الذين بحاجةٍ إلى أن يعرفوا، يجب إخبارُهم. ليس هناك من وقتٍ كافٍ في هذا العالم لتأجيل أشياءٍ كهذه.
-
الخوف من الألم، أسوء من الألم نفسه.
-
إنَّ محاولةَ إثبات قيمتك الذَّاتيَّة للآخرين، هو مضيعةٌ للوقت وإهدارٌ للطاقة. إنَّه يشبه ذلك الملصق الذي رأيتُه وكُتِب فيه "لا تتنقَّل من مكانٍ إلى آخر، مخبراً الآخرين عن مشاكِلِك. إنَّ ٧٠% منهم لا يكترثون لذلك البتَّة، و ٣٠% سيكونون مسرورين لذلك".
-
يمكن إزالة الفوضى في المكان، ولكن هذا لا ينطبق دائماً على الفوضى في العلاقات.
-
أنْ تكونَ بليغاً وفصيحاً، قد يعود بنتائجَ عكسيَّةٍ ما لم يترافق بالتعاطف. والتعاطف بدون عباراتٍ مناسبة يبقى عديم التأثير. تذَّكر أن تغلّف هديَّتك.
-
إنَّ السّواقة أسهل بعد أن تهدأ العاصفة، ما لم تكن، طبعاً، كناقلة نفطٍ في أعالي البحار. هل أنت كذلك؟
-
الرجال الخارقون والنساء الخارقات شخصيَّاتٌ من سلسلة كتب هزْليَّة. فليس كلُّ من ارتدى معطفاً، أو لباسه الداخلي فوق سرواله، يمكنه الطيران. يمكنني أن أوقف طلقةً مسرعةً، لمرَّةٍ. إنَّ تألِيْه الذات أو الآخرين له نهاية قصةٍ هزْليَّة.
-
إنَّ المصافحة بالأيدي ليست ملزِمة، حتَّى العقد ليس ملزِماً. الأمور يمكنُها دائماً أن تتَّخذَ منحاً آخر. إنَّ نواة الشخصية تغلب بالرغم من مرور الوقت.
-
المستقبل تتمُّ صياغته الآن. ما تفعله الآن يحدِّد مستقبلك.
-
التَّعلق غالباً ما يكون وصفةٌ للمأساة، وخيرٌ له أن يبقى كمُتعلَّقٍ يُرفَق برسائل البريد الالكتروني.
-
التنفس دواء. النَفَس هو الحياة.
-
الجسم البشري آلةٌ من غير كتالوج.
-
أقصر الطرق هو الخطُّ المستقيم. هذا ينجح مع النَّاس.
-
وقت الاستعداد للمطر يكون قبل الخروج. لكن إذا كنت لا تأبه للمطر، فلا تتذمر.
-
إنَّ السلوك يتفوَّق على الذكاء.
لقد ساعدتني هذه الملاحظات ال ٢١ على مدى الثلاثين سنة الماضية في صياغة مجموعة من المبادئ الراسخة التي دعمت مسيرتي المهنية المزدهرة، وعلاقاتي الصحية مع من حولي، إلى جانب إحساسي المستمر بالرضا على المستوى الجسديّ والعقليّ والعاطفيّ.
هذه هي مبادئي الخمسة التي أشارككم إياها اليوم:
-
أنا المسؤولة عن عالمي، وعمَّا أصنعه فيه.
-
إنَّ ما يرسم طريقي هو رؤيتي للمستقبل.
-
واحد زائد واحد يساوي أكثر من اثنين.
-
التواصل فن.
-
التصرف في الوقت المناسب لا بديل عنه.
لقد جلبت لي طريقة العيش هذه القائمة على المبادئ قدراً كبيراً من السهولة والوضوح في حياتي، كما أثَّرت إيجابياً في حياة من حولي. ما بدأ كممارسة شخصيَّة، تطوَّر ليصبح منهجاً في الكوتشينغ يساعد العملاء على بناء أساس متين، وتوضيح اتجاههم، وتسخير الموارد اللازمة لتحويل رؤيتهم إلى واقع ملموس.
ولتوسيع نطاق هذا النموذج التطويري وتعزيز أثره في التحول الشخصي والعلاقاتي، قمتُ بتجسيده في مَوْرِدَين عمليَّين موجّهَين نحو النتائج، صُمّما لخدمة الأفراد والمؤسسات على حدّ سواء.
الأول هو برنامج "إعداد محفّزِيّ الثَّقافة©" – The Culture Catalyst Program®m - برنامج تدريبي وتفاعليّ موجَّه للمؤسسات التي تلتزم ببناء ثقافة مؤسساتية قوية قائمة على القيم. يوضّح البرنامج المبادئ الجوهرية لإتقان التمكّن الذاتي والمؤسساتي من خلال خطوات بسيطة وقابلة للتنفيذ، تُسْهم في تحقيق التوازن بين الاستراتيجية والسلوك، وتعزيز التعاون، ودفع عجلة النمو المستدام انطلاقاً من رؤية كبرى مشتركة.
الثاني هو كتاب "نهج المحفِّز©"، المقرَّر صدوره باللغة الإنجليزية (©The Way of the Catalyst) مع نهاية عام ٢٠٢٥. وهو مبنيّ على نفس المبادئ الأساسية لإتقان التمكّن الذاتي والمؤسساتي، ويقدّم دليلاً عمليَّاً وسهل التطبيق للقادة، وصنّاع التغيير، والمنفتحون على التعلُّم مدى الحياة، الذين يهدفون إحداث تأثير فعَّال دون أن يُنهَكوا أو يُستهلَكوا أثناء المسيرة.
يعكس كلا العرضين سنوات من التّعلّم، والخبرة العملية، وريادة الأعمال، وتطوير القيادة، والعمل في مجال التحوّل الثقافي، وقد أُعيد تقديمها الآن بصِيَغ عمليّة تُناسب احتياجاتك وسياقك.
وهكذا تستمر الرحلة، وتتفتح من خلال تجارب جديدة، وتجلّيات ذهنية، ودروس عميقة.

